ابن أبي العز الحنفي

73

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )

التعريف بالإمام أبي جعفر الطحاوي : وَمِمَّنْ قَامَ بِهَذَا الْحَقِّ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ : الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ الطَّحَاوِيُّ ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ ، بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ ، فَإِنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَوَفَاتُهُ [ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ] وَثَلَاثِمِائَةٍ 1 . فَأَخْبَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ ، وَنَقَلَ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ الْكُوفِيِّ ، وَصَاحِبَيْهِ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحِمْيَرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ , مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ، وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ . وَكُلَّمَا بعُد الْعَهْدُ ، ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ، وَكَثُرَ التَّحْرِيفُ ، الَّذِي سَمَّاهُ أَهْلُهُ تَأْوِيلًا لِيُقْبَلَ ، وَقَلَّ مَنْ يَهْتَدِي إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ . إِذْ قَدْ يُسَمَّى 2 صَرْفُ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فِي الْجُمْلَةِ تَأْوِيلًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ تُوجِبُ ذَلِكَ ، وَمِنْ هُنَا حَصَلَ الْفَسَادُ , فَإِذَا سَمَّوْهُ تَأْوِيلًا قُبِلَ وَرَاجَ عَلَى مَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا . فَاحْتَاجَ الْمُؤْمِنُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى إِيضَاحِ الْأَدِلَّةِ ، وَدَفْعِ الشُّبَهِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهَا ، وَكَثُرَ الْكَلَامُ وَالشَّغَبُ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ إِصْغَاؤُهُمْ إِلَى شُبَهِ الْمُبْطِلِينَ ، وَخَوْضُهُمْ فِي الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، الَّذِي عَابَهُ السَّلَفُ ، وَنَهَوْا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ وَالْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِمْ ، حَيْثُ قَالَ : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } [ الْأَنْعَامِ : 68 ] فَإِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ يَشْمَلُهُمْ . وَكُلٌّ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالِانْحِرَافِ عَلَى مَرَاتِبَ : فَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا ، وَقَدْ يَكُونُ فِسْقًا ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْصِيَةً ، وَقَدْ يَكُونُ خَطَأً . فَالْوَاجِبُ اتِّبَاعُ المرسلين ، واتباع ما أنزله الله عليهم . و [ قد ] خَتَمَهُمُ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَهُ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَجَعَلَ كِتَابَهُ مُهَيْمِنًا عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ كُتُبِ السَّمَاءِ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَجَعَلَ دَعْوَتَهُ عَامَّةً لِجَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ : الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، بَاقِيَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَانْقَطَعَتْ بِهِ حُجَّةُ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ . وَقَدْ بين الله به كل شيء ،

--> 1 تجد ترجمته مفصلة في : " تذكرة الحفاظ " للذهبي 3 : 28 - 29 و " تاريخ ابن كثير " 11 : 174 . و " المنتظم " لابن الجوزي 6 : 25 , و " شذرات الذهب " 2 : 288 , و " اللباب " لابن الأثير 2 : 82 , و " الجواهر المضية " لابن أبي الوفاء : 1 : 102 - 105 , و " الفوائد البهية " 31 - 34 , و " لسان الميزان " 1 : 274 - 282 , و " تهذيب تاريخ ابن عساكر " 2 : 54 - 55 , و " ابن خلكان " 1 : 53 - 55 طبعة مكتبة النهضة بمصر . 2 في الأصل : سمي .